فتحت حقيبتي فاختلطت علي الأمور، و أحسست بغصة شائكة في حلقي... فتوقفت على أطراف جفوني دمعتين أبيتين ترفضان الاستسلام و النزول و في ذات الوقت لا حول و لا قوة لهما من حرقة الألم الذي يقطع قلبي... كابرت هذا الشعور الأليم، و شرعت في وضع ملابسي الصوفية استعدادا للسفر لفرنسا قصد اجتياز الامتحان الشفهي الوطني الفرنسي تمهيدا لولوج إحدى أكبر مدارس المال و التجارة في فرنسا. صارت حقيبتي جاهزة، توجهت لمطار محمد الخامس و أخذت الطائرة تجاه مدينة ليون الفرنسية. كان عمري أنا ذاك عشرون عاما إلا ثلاثة أشهر و كانت المرة الأولى التي أسافر فيها إلى بلد أوروبي. وصلت المدينة المقصودة و منها توجهت إلى المدينة التي اخترتها لاجتياز الامتحانات الشفوية. كان مقررا أن أجتاز امتحان اللغة العربية على الساعة السابعة و النصف صباحا متبوعا بامتحان اللغة الإنجليزية على الساعة العاشرة و النصف ثم الامتحان الأهم على الساعة الثانية بعد الظهر. ذهبت للمدرسة صباحا فاستقبلت بحرارة و قدمت لي وجبة فطار متوازنة. أكلت و شربت و حمدت الله، ثم اقتدت إلى جناح الامتحانات. دخلت قاعة التحضير التي كانت قمة في النظافة والنظام، و مجهزة بأحدث التقنيات المستعملة حاليا في تلقين اللغات. قيل لي أن الامتحان يحضر في مدة ساعة و يناقش في مثلها. و أنه يجب أن أستمع لنص على الجهاز و أن أحلل و أناقش أفكاره فيما بعد استعدادا لعرضها ومناقشاها أمام لجنة اللغة العربية. كان النص يناقش مشكل حرية التعبير في العالم العربي و الإسلامي. سمعت النص مرة و مرتين، استخلصت الأفكار المهمة و رتبتها طرحا و مناقشة. اعتبرت أن الدول العربية و الإسلامية تعبيرا يشير إلى منطقة جغرافية تبدأ من المحيط إلى أقصى الخليج لأن نظام الامتحان يمنع مناقشة الأمور الحساسة كالدين و التوجهات السياسية. وقف بجانبي رجل طويل القامة ذو عينين رماديتين و شعر رمادي و بادرني بالتحية و قال تفضلي آنستي لقاعة الاجتياز. نهضت و كلي حماسة و نشاط و دخلت القاعة و عرضت الموضوع و ناقشته بلغة الضاد. شكرني الأستاذ على العرض و على احترامي للتوقيت المخصص ثم انهال علي بملاحظاته المتهجمة و المنتقدة لأي شيء يتصل بكلمة "الإسلام". اعتبر أن العرب تخلفوا لأنهم مسلمون في غالبيتهم، و أن الأنظمة السياسية في البلدان الإسلامية ديكتاتورية لأن المسلم بطبيعته لا ينصت للآخر و أن الإسلام يحد من روح التغيير و المبادرة لذلك الشعوب العربية المسلمة متقبلة للأنظمة الحالية و أخيرا أجاز حقده الغير مبرر بقوله أن الإسلام دين ذو فكر و فلسفة مرجعيان تحدان بشكل قاطع من تطور الفكر النقدي البناء. انتابتني غيرة و أحسست بحرقة في قلبي و أنا أرى ديني البريء يدان و يهان بدون سبب من عربي يحسب عليه تمثيل العرب و المسلمين في فرنسا و علمت فيما بعد أن له إصدارات في هذا الصدد. فأجبت: عفوا يا سيدي العزيز و لكن ... لن أتحدث معك عن الإسلام لأنه دين و لا يمكن مناقشته و اختصاره في موضوع واحد فهو أكبر بكثير و لا أظن أن لي من الوقت و العلم ما يكفي لمناقشة كل الأمور المرتبطة به، لكن أقترح أن أناقش القرآن بما أنه تعتبر المرجع الأول لهذه الديانة. في القرآن يا سيدي أعطى الله الكلمة لأشد المخلوقات عداءا له و لرسله و نقل على ألسنتهم كلمات تمس بطريقة مباشرة بإلوهيته سبحانه. لم يكتف الله عز و جل بنقل أفكارهم، بل نقل قولهم كاملا على الرغم من بشاعته. فجاءت كلمة قال مئات المرات في القرآن. فنقل على لسان فرعون كفره و نقل على لسان إبليس لعنه الله عصيانه و على لسان ابن نوح، عليه السلام، شركه إلى غير ذلك من الأمثلة و الدروس المباشرة و الغير مباشرة في الحوار. لا أناقش البعد اللغوي الديني للكتاب بل أتوقف فقط عند قيمته اللغوية و إدراجه لجنس الحوار لنقل الأقوال على ألسنة أصحابها. فوضع سبحانه و تعالى، و هو القوي الجبار الخالق، قوله جنبا إلى جنب قول أعداءه. فمن يعطي مجالا للتعبير لأعدائه باسم حرية التعبير كما فعل سبحانه؟